الشيخ السبحاني
264
رسائل ومقالات
لخروج الشيء من العدم إلى الوجود ، والجزء الثاني منها يشير إلى بطلان كونهم خالقين أنفسهم ، الذي يستقلّ العقل ببطلانه قبل أن يستقلّ ببطلان الدور اللازم عليه . ومن سبر هذه الآيات وتدبّر فيها يقف على مدى صحّة قوله سبحانه : « سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ » . « 1 » فيتخلّص لنا من عرض هذه الآيات ، أنّ القرآن ، يحثّ على المعرفة من طريق الحسّ والعقل ، ويدعو إلى استغلالهما في مجاليهما ، فالاقتصار على الحسّ ، بخس وخسران ، كما أنّ الاكتفاء بالعقل وإلغاء الحسّ ، مغالاة في حقّ العقل . فاليمين والشمال مضلّة ، والطريق الوسطى هي الجادة « 2 » . فيُستهدى إلى ما في القرآن من العلوم والمعارف القرآنية الباحثة عن ذاته سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله ، بالحسّ والعقل ، فهما جناحا الإنسان في سماء العلم والمعرفة ومجال التدبّر والتفكّر قال سبحانه : « كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ » . « 3 » المعارف القرآنية بين التعطيل والتشبيه إنّ هناك من حبسوا أنفسهم في اطار المادة والماديات وجدران الزمان والمكان فتجدهم لا يأنسون بالمعارف العقلية إلّا عن طريق التشبيه والمحاكات ، فصعب عليهم فهم المعارف القرآنية ، وعسر عليهم تصوّر أنّ في صحيفة الوجود
--> ( 1 ) . فصّلت : 53 . ( 2 ) . لاحظ نهج البلاغة : الخطبة 16 . ( 3 ) . ص : 29 .